سيف الدين الآمدي

89

غاية المرام في علم الكلام

وإن ادعى ذلك في حق المخلوق فقط فإنه ، وإن سلّم ، مع إمكان النزاع فيه ، فليس بحجة في حق الغائب ، على ما سلف . ولربما وقع الاعتماد هاهنا أيضا على الطريق المشهور وهو أن الباري تعالى حي فلو لم يكن متصفا بالكلام لكان متصفا بضده وهو الخرس ، وذلك في الباري - تعالى - نقص . وقد نبهنا على ما فيه من الخلل ، وأشرنا إلى ما يتضمنه من الزلل ، فيما سلف فلا حاجة إلى إعادته . ولما تخيل بعض الأصحاب ما في طي هذه المسالك من الزيف ، واستبان ما في ضمنها من الحيف ، جعل مستنده في ذلك جملا من الأحاديث الواردة من السنة ، وأقاويل الأمة ، وهي مع تقاصرها عن ذروة اليقين ، وانحطاطها إلى درجة الظن والتخمين ، من جهة المتن والسند ، فالاحتجاج بها إنما هو فرع إثبات الكلام ، إذ مستند قول الأمة ليس إلا قول الرسول ، والرسول لا معنى له إلا المبلغ لكلام المرسل ، فإذا لم يكن للمرسل كلام لم يكن من ورد الأمر والنهي على لسانه رسولا بل هو الآمر والناهي . سواء كان ذلك مخلوقا له أو لغيره على اختلاف المذاهب ، ولا يكون ذلك حجة . وصار كما في الواحد إذا أمر غيره أو نهاه . فإذا حاصل الاستدلال على ثبوت الكلام يرجع إلى ما الاحتجاج به فرع ثبوت الكلام . وهو دور ممتنع ، ولا حاصل له عند منكري النبوات وجاحدي الرسالات . فإذا ما هو أقرب إلى الصواب في هذا الباب ، إنما هو الاعتماد على ما وقع عليه الاعتماد أولا ، من إثبات الصفات السابقة . ثم كيف لا يكون له كلام ، وبه يتحقق معنى الطاعة والعبودية للّه - تعالى - ؛ فإن من لا أمر له ولا نهي له لا يوصف بكونه مطاعا ولا حاكما . وبه أيضا يتحقق معنى التبليغ والرسالة ؛ فإنه لا معنى للرسول إلا المبلغ لكلام الغير ، فلو لم يكن للّه تعالى كلام وراء كلام الرسول المخلوق فيه - إما له عندهم ، أو للّه تعالى على أصلنا - لما صح أن يقال إنه مبلغ ولا رسول ، ولكان كاذبا في دعواه : إني